قضية المرأة بين رجعية الصادق النيهوم وحداثة يوسف القويري

تبدو قضية المرأة هي أحد القضايا المهمة التي تكشف لنا عن الحداثة الفكرية، وهذه مقارنة بين طرح الصادق النيهوم لقضية المرأة في كتبه المختلفة، وطرح يوسف القويري لنفس القضية في كتاب "مدخل إلى قضية المرأة" ، لنتبين الفرق الشاسع بين الطرحين.

Download

الجزء الأول

يسألني بعض الأصدقاء، لماذا تحاول التقليل من الصادق النيهوم، لماذا هذه الهجمة الشرسة عليه، ولماذا تناصبه العداء، والحقيقة أنه ليس هناك أي عداء شخصي مع النيهوم، بل مع فكره، ورغم تقديري العميق لتميزه في قراءة وتحليل المجتمع الليبي وفضح عيوبه، إلا أنني في عداء شديد مع حلوله، وفكره السلفي اللذي يقدّمه، والبعيد تماماً عن الحداثة، وكما وصفه الكاتب “منصور بوشناف” في مقالته “من هنا إلى مكة” ، (النيهوم سلفي يرتدي الجينس)، ذلك الفكر اللذي لا يرغب بالقفز إلى الأمام أبداً، مكتفياً بالرجوع للخلف، محاولاً تقديم تفسيرات مغايرة أشبه ما تكون بالطبقات المكياجية الغير متناسقة.

ومن هنا، أصبح الإستغراب واجباً من تقديم فكر الصادق النيهوم، كفكر حداثي رغم سلفيته، وإهمال مفكرين آخريين كيوسف القويري، المفكر الحداثي اللذي فاق فكر النيهوم بمراحل، ولذلك وبدون أي تحامل، فإننا نحاول هنا تقديم قراءة متأنية ومقارنة بين هاذين الفكرين، في محاولة بسيطة لإعادة قراءة وترتيب أولويات الفكر الليبي.

وتبدو قضية المرأة هي أحد القضايا المهمة التي تكشف لنا عن الحداثة الفكرية، وقد سبق أن بينا جانب من نظرة النيهوم للمرأة من خلال نقدنا لكتابه “الحديث عن المرأة والديانات في مقال بعنوان “الشيخ الصادق النيهوم”، ويبقى لنا أن نقارن ما جاء في كتاب النيهوم بكتاب يوسف القويري “مدخل إلى قضية المرأة” ، لنتبين الفرق الشاسع بين الطرحين.

يبدأ الكاتبان بإستعراض المسيرة الإنسانية لتحرر المرأة من سلطة الرجل، فيتفقان أن البداية كانت مع عصر الثورة الصناعية في أوروبا حيث أستطاعت المرأة تحقيق إستقلالها الإقتصادي عبره، إلا أن الصادق النيهوم يبدي تخوّفه الواضح من هذه الخطوة، ويقول أن المرأة إرتكبت خطأ خفياً بالثورة على وظيفتها الأساسية، فقد أخلت بنظام وظيفة النوع، وعندما تحققت المساواة إكتشفت أنها وقعت في فخ آخر !! (صفحة 70) ، إذن ما الحل لدى الصادق النيهوم، الحل هو أن تلتزم المرأة بالوظيفة الأساسية لها وهي التربية والإنجاب (صفحة 61) ولا بأس أن تكون معلّمة أو مدرسة فهو عمل تربوي (كتاب نقاش صفحة 83) أو يمكن أن تعطى المرأة عمل في بيتها يهدف إلى تطوير الصناعات التقليدية مثلاً وليكن صناعة الحصير الليبي !! ( نقاش صفحة 90) ، ولهذا فإن النيهوم يطالب بوضع نظام تعليمي يكرّس لمهمة المرأة التقليدية (تربية الأطفال والإنجاب) ، وهي كارثة حقيقية سوّق لها الصادق النيهوم وهي إبطال خلق المنهج العلمي في عقل المرأة وتكريسها كمخلوق درجة ثانية تربي وتنجب ولكن لا تفكر !! ( راجل مقالة الشيخ الصادق النيهوم ) .

لنأتي ليوسف القويري، ولنرى وجهة نظره، يقول يوسف القويري في كتابه (مدخل إلى قضية المرأة) إن قضية تحرر المرأة شيء لا ينفصل عن ضرورة إشتراكها فعلياً في الإنتاج والعمل، والمجتمع التجاري (صناعة الحصير كمثال) هو قسم ضئيل من قطاع الخدمات، ومن ثمّ إحتياج رمزي ومجرد قشرة عصرية وطلاء لا غير، إن الإحتياج الحقيقي والشامل لا يؤثر إلا في مجتمع يتجه نحو التصنيع الواسع، وإشراك المرأة فيه كجزء هام من الطاقة البشرية، حينئذ لن تصبح المرأة ملحقاً إقتصادياً ذليلاً للرجل، كما أن إنقلاب وضعها المعيشي سيفتح أمامها دون شك أبواب التجربة الإجتماعية والخبرة والقدرة على كسب العيش والمعرفة والإستقلال الفكري، “فنضال المرأة من أجل التحرر، نضالها ضد التقاليد القديمة، أشكال تجمعها الرمزي، كتاباتها، كل هذا الجهد النظري والعملي الطيب المتنوع الذي تبذله إنما يرتبط أوثق ارتباط بكل جهد آخر يبذل من أجل التطوّر الوطني” (مدخل إلى قضية المرأة الصفحة 14, 15).

الجزء الثاني

طبيعة المرأة وطبيعة الرجل ..

يصر الصادق النيهوم في كل كتاباته على التمييز الجندري بين كل من الرجل والمرأة، وهو لا يترك أي فرصة دون أن يخبرنا بأن طبيعة الرجل تختلف عن طبيعة الأنثى ( صفحة 85 نقاش ) ، ولذلك فهي بحاجة ضرورية لمناهج خاصة بها (فصل في التعليم)، وأعمال خاصة بها (فصل في العمل)، والصادق يقترح قطاع التعليم كمثال، “نعمل على تشجيع المرأة لكي تتولى ميدان التعليم بأسره” (نقاش 83)، وهذا المنطق الذي ينادي به النيهوم هو تكريس متعمد للتفاوت الإجتماعي، ومنطق وفكرة سلفية بإمتياز، تنادي بها جميع التيارات الرجعية، وتجعل من هذه الفكرة حجر أساس، لكل عمليات الفصل الجندري، وتحجيم دور المرأة ، وتحديد ما يناسبها وما لا يناسبها .

لكن يوسف القويري، يبدو أكثر عمقاً في تناول هذه القضية، فهو في البداية، وبسؤال جريء في مقالته ( هل أنت ذكر أم أنثى؟) يؤكد أن الفرق بين الذكورة والأنوثة هو فرق هرموني بحت “فالكائن الحي يشتمل بداخله على عناصر الأنوثة والذكورة” (صفحة 24)، ونشأة ” الإختلاف بين الرجل والمرأة من أن الهرمونات المذكرة تكون بنسبة عالية عند الرجل وبنسبة أقل عند المرأة” (صفحة 25)، وهو ما يؤدي إلى الإختلاف البيولوجي لاحقاً عند النضوج.

ثم يكمل القويري : ” بالبداهة نحن نقر بوجود إختلافات معينة بين المؤنث والمذكر، إلا أنها إختلافات يمليها التخصص الضروري لإتمام التناسل، أي أنها إختلافات لا تفسر نشوء التفاوت الإجتماعي وإمتياز طرف على الآخر ” (صفحة 31).

ومن هنا ينطلق القويري في تفسير ظاهرة التفاوت بين الرجل والمرأة، فليس هناك أي تمايز أو إمتياز جنسي على الإطلاق، إنما هو تمييز إجتماعي وعادات بالية وقديمة نشأت في ظل تحولات إقتصادية مرت بها المجتمعات البشرية وأحدثت هذا الإنقلاب بعد أن كانت المجتمعات القديمة تبجّل وتعظم المرأة ، وتنعم فيها بالمساواة الكاملة بين الجنسين لإنعدام الإمتيازات الإقتصادية بينهما (صفحة 35).

لكن عصر تدجين المواشي، وتربية القطعان خلق مصدراً للثروة لم يكن يخطر بالبال، وبعد إنهيار نظام العشيرة وبروز الأسرة الأبوية المعروفة، ومعها نظام الميراث الأبوي، فقدت المرأة دورها الإنتاجي، وأنقلبت إلى آلة إستيلاد ومتعة، وأمتلك الرجل الحياة الإقتصادية، وتم إستعباد المرأة بهذه الأفضلية الإقتصادية. ( مقالة جذور الإضطهاد التاريخي – يوسف القويري ).

إذن، في الوقت اللذي يطالب فيه القويري بتمكين المرأة إقتصادياً، لإرجاع مساواتها الإجتماعية مع الرجل، ويدحض في كل مقالاته تهمة “الطبيعة الخاصة” للمرأة، نجد أن النيهوم يحاول تكريس هذا التمييز، ويقترح في كل مرة، تقدييم أعمال تناسب طبيعة المرأة الخاصة والهامشية، وليكن صنع الأدوات التقليدية وصناعة الحصير .

الجزء الثالث

لامني العديد من الأصدقاء من محبِّي الصادق النيهوم حول المقالتين الماضيتين، بل إن البعض تجاوز حد التعجب والدهشة واللوم، ليرميني بعدم الفهم، أو الحمق، وربّما عدم القراءة الدقيقة لتطوّر فكر النيهوم ونضجه، وأغلب الظن أن معظم المهاجمين لم يستطيعوا فهم المعنى والفكرة التي طرحتها.

والحقيقة أنني أؤكد قبل كل شيء، أن النيهوم قد أتى بخطاب وتصوّر ثوري حول المرأة في زمنه، بل إن خطابه التجديدي، ونقذه اللاذع لمكانة المرأة الرجعية كان من الإبداع والجرأة ما لم يسبقه إليه أحد، وهو موقف وجهد عظيم ليس بحاجة لإعتراف مني.

فالنيهوم إنتقد الحجاب ومفهوم الشرف والزواج التقليدي والمجتمع الذكوري الرجالي، وقال إن المرأة أسيرة الوضع الإقتصادي اللذي خلقه الرجل بسبب تحكمه بالمجتمع، وهو يقول في كتابه “فرسان بلا معركة” :

” إن المرأة يربيها الرجل بنقوده ويبيعها لرجل آخر بنقوده، ويطعمها الرجل الآخر بنقوده أيضاً، ويكسوها ويعالجها ويدفنها أو يشتري لها تذكرة الحج بنقوده، هل تعتقد أن هذا الرجل يستطيع ذات يوم أن يخلق ثقافة تتساوى فيها المرأة والرجل ” ص38

وإذن فالصادق النيهوم يحرض المرأة على إسترداد حقوقها بنفسها وإستقلاليتها، وإن كان ما زال متوجساً من الطريقة، وتجربة المرأة الأوروبية الحداثية :

” إن خروج المرأة للعمل ليس بدعة أوروبية بل حتمية تاريخية لا مفر منها، لكن ما فعلته المرأة الأوروبية بهذا الحق الطبيعي هو وحده البدعة الأوروبية، ونحن لا نحتاج إلى أن نفعل مثلها ” (فرسان بلا معركة ص40)

وبرأيي فإن الصادق النيهوم، رغم كل ذلك، فهو كان يحمل ثقلين كبيرين فوق أكتافه، منعته من التحرر بشكل كامل، والإجتياز نحو الحداثة، وهما شرقيته، وموروثه الإسلامي، فشرقيته كما هو واضح في معظم كتاباته، ما زالت تشكل تصادم حقيقي مع مكتسبات الحداثة والمرأة بشكل خاص في أوروبا التي زارها ورآها وعاشها بنفسه.. ” إن دايانا لم تكن شيئاً في الواقع سوى رجل شرقي متنكر في جثة إمرأة ” (فرسان بلا معركة ص97)، وهكذا بكل بساطة، يعتقد الصادق النيهوم أن مكاسب تحرر المرأة والحداثة في الغرب قد تجاوزت الحد فعلاً، وأنها أصبحت تعادل ديكتاتورية الرجل الشرقي.

أما الثقل الأكبر اللذي كان يرزح تحت وطئته الصادق النيهوم، فقد كان مشروعه الإسلامي الجديد، اللذي أصر عليه، واللذي يحاول من خلاله تأويل النص من جديد، وبالتالي منعه من القطيعة التامة مع التراث، وتبني قيم الحداثة، ولكن هذا المشروع يحمل ثغراته التي لم يكتمل سدّها، أبرزها الموقف من عبودية المرأة .

عبودية المرأة ..

يقول الصادق النيهوم أن القرآن “إذ يبيح التسري للرجال في الآية فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم، فإنه يشير إشارة حقيقية إلى أن الإقتصار على زوجة واحدة هو الأصل، أما الجواري والزوجات الأخريات فسوف ينقرضن مع الزمن، وهذا ما حدث بالضبط، فقد انتهى عصر الجواري على أي حال، كما أراد القرآن” ..(الحديث عن المرأة والديانات ص39).

ونحن نعيد ونكرر سؤال مقالة “الشيخ الصادق النيهوم” مجدداً، كيف ومن أنهى عصر الجواري والعبودية الجنسية يا ترى؟! ومن فعل وأراد ذلك حقاً ؟!

أما الإجابة التي عجز عن قولها النيهوم، وعللها بإرادة سماوية ميتافيزيقية، فيوسف القويري شرحها بكل بساطة في كتابه :

“إن الواقع الإجتماعي يتحرّك ويتطوّر ويرتقي، لأن ظروف الناس وأحوالهم الواقعية تختلف وتتباين من عصر إلى عصر ومن مكان إلى آخر، فإن أفكارهم وتصوراتهم ومفاهيمهم تتغير وتختلف وتتطور تبعاً لذلك، وبجملة أخرى فإن أخلاقهم وتشريعاتهم وثقافتهم وأعرافهم لا تبقى كما هي.. فالعبودية في المجتمع الروماني والمجتمع اليوناني القديم لم تكن تتعارض مع القيم الأخلاقية، في حين أنها الآن وصمة عار في جبين أي مجتمع يمارسها، وشراء المرأة بالمزاد العلني كان يتم في أسواق بغداد ومكة ودمشق وروما وأثينا والشام وغيرها دون أن يثير أدنى إنتقاد حيث أن القانون كان ينظّم ـ فيما مضى ـ صفقات شراء الرقيق وبيعهم وطريقة تكديسهم في القوافل التجارية بلهجة صريحة وواضحة، لكنه الآن ينزل أشد العقوبات بتجار الرقيق إن وجدوا. كما أن افتراض منظر إمرأة تباع في الأسواق كفيل بتقويض هذه الأسواق من قبل الناس المعاصرين اللذي ارتقى وجدانهم الإنساني”. (مدخل إلى قضية المرأة ص 20-21).

ثمّ يكمل القويري محطماً كل الأوهام : ” إننا نستدل من هذه الأمثلة أن الأخلاق والثقافة والتشريعات تتطوّر تبعاً لتقدم الواقع الإنساني، أي أن الحدود الإجتماعية ـ التي تضم الثقافة والتشريع والأخلاق ـ تنزاح وتتحرك دائماً إلى أمام، فهي إذن غير ثابتة،….. إن رفض الأخلاق القديمة ليس فقط بسبب أنها قديمة، بل لكونها أصبحت كابحاً رجعياً للتطوّر” (مدخل إلى قضية المرأة ص 22).